شبكة روج آفا الإعلامية

مفكر فرنسي: التخلي عن الكرد الذين قاتلوا من أجلنا فعل غير مبرر أخلاقيا

396

انتقد الكاتب الفرنسي الشهير بيرنارد هنري ليفي قرار الرئيس الأمريكي الانسحاب من شمال وشرق سوريا والذي فتح الباب أمام الهجوم التركي على المنطقة, واصفا التخلي عن الكرد بأنه فعل غير مبرر أخلاقيا, داعيا إلى طرد أنقرة من الناتو عقابا على ما يفعله أردوغان من توطين قسري للاجئين السوريين، وتطهير عرقي ضد الكرد في سوريا.

حديث الكاتب والمفكر الفرنسي بيرنارد هنري ليفي جاء في مقا ل كتبه لصحيفة «التايمز» البريطانية ونقلها موقع «العربية.نت».

وجاء في نص المقال:

«نادراً ما يمكن للمرء أن يقول عن شعب بأكمله، دون استثناء: (إنهم شعب رائع)، لكن يمكن قول ذلك عن الكرد. لقد أظهروا شجاعة لا تصدق في وجه القتال، وقد شاهدتها أثناء إعداد فيلميّ الوثائقيين، البيشمركة ومعركة الموصل، وصمود كبير في مواجهة المحن. لقد عانوا من الخيانات المتكررة، والاضطهاد المتكرر، والمحاولات المتتالية للإبادة الجماعية. ومع ذلك لا يزالون صامدين، ولا يستسلمون سواءً في روح المقاومة أو في قيمهم.

لقد قلت في كثير من الأحيان عن الإنجليز إنهم شعب رائع. لقد نشأت وترعرعت مقتنعًا بأن طياري سلاح الجو الملكي البريطاني وونستون تشرشل قد أنقذوا شرف أوروبا عندما انهار الجميع. حسنًا، أشعر بالشيء نفسه حيال مقاتلي البيشمركة العراقيين ومقاتلي وحدات حماية الشعب السوري.

لديهم قيم ومبادئ وفكرة عن الإسلام مثالية. يبحث الجميع في الغرب عن إسلام علماني يؤمن بحقوق الإنسان ويعترف ويمارس المساواة الصارمة بين الرجال والنساء ويحمي الأقليات وصديق لليهود والمسيحيين. حسنًا، إنه موجود أمام أعيننا. إنهم الكرد. لأن هذه المبادئ تشكل أساسهم الثقافي والعمود الفقري الروحي والسياسي للشعب الكردي، وهذا ما يجعل الأمر غير معقول ومروع بأن نعاملهم بهذه الطريقة.

إن تخلّي دونالد ترمب عن الكرد هو عمل شرير لا أستطيع أن أجد له مثيلا. لقد استخدمنا الكرد ودفعناهم إلى الخط الأمامي، وقاتلوا من أجلنا وغالباً بدوننا. وبمجرد الانتهاء من ذلك، تخلينا عنهم. إنه فعل غير مبرر أخلاقيًا، ودنيء من الناحية الفكرية.

لن تختفي وصمة العار هذه قريباً عن جبين ترمب وأولئك الذين ساعدوه في اتخاذ هذا القرار. إذا تلطخت يداك خلال الحرب بدماء أعدائك فهو أمرٌ سيئ، ولكن كما يقول صديقي توم كابلان، أحد مؤسسي منظمة العدالة من أجل الكرد، الأسوأ بكثير من هذا أن تتلطخ يداك بدماء أصدقائك. إنها وصمة عار لا تمحى.

لماذا قام بذلك؟ قد يقول البعض إنه أقدم على هذا الأمر بسبب الجهل. انظروا إلى عباراته الحمقاء التي تشير إلى أن الكرد لم يكونوا في صفنا في نورماندي. وقد يقول البعض الآخر إن سبب قيامه بذلك هو أنه لا يستطيع الوصول إلى أي حل دبلوماسي غير مبني على “اتفاقات رائعة” أو يكون ذا فائدة تجارية بالنسبة له. في الواقع، إن التفسير الوحيد الذي يبدو منطقيًا بالنسبة لي هو أن (ترمب) لديه اتفاق شامل مع الروس يقوم بموجبه بالتنازل عن تلك المنطقة فضلًا عن إدارتها وحفظ النظام فيها.

والآن أين نحن؟ نحن ندفع الكرد إلى أحضان الروس. لقد قام ترمب وأوروبا ببيع الكرد للروس. وقام الكرد– مثل أي شعب يعاني ولا يملك أي خيارٍ آخر – بقبول المساعدة التي قُدمت إليهم. إنه أمر محزن بالنسبة لنا نحن الغرب الذين سمحنا لحليفٍ يعتبر من أكثر الحلفاء موثوقية بأن يرتمي في أحضان خصومنا. وبالطبع هذا أمر حزين بالنسبة للكرد أيضًا.

لدي اقتراح محدد وبسيط: يجب طرد تركيا من حلف الناتو. سيقول الأشخاص الذين يحاولون تهدئة الأوضاع: (إذا قمنا بذلك، سترتمي تركيا في أحضان روسيا وتغير تحالفها). ولكن هذا أمرٌ غير مقنع لسببين. أولهما لقد غيرت تركيا بالفعل من ولائها واتجهت نحو روسيا. فهي تشتري صواريخ أرض جو روسية، كما أنها شريك في الحوار في منظمة شنغهاي للتعاون التي تسيطر عليها الصين وروسيا، وهي المنظمة التي تشكلت لتكون قوة موازنة لحلف الناتو.

ثانيًا، إننا نجد أنفسنا اليوم في أسوأ وضع ممكن من الناحية الاستراتيجية: كيف يمكننا السماح لحليفٍ كتركيا أن يمارس لعبة مزدوجة؟ كيف يمكننا الاستمرار في منح تركيا إمكانية الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية التي قد تنقلها بعد ذلك إلى العدو؟ كيف يمكننا السماح لها في وقتٍ واحد بشراء الطائرات الأميركية والبطاريات الصاروخية الروسية القادرة على القضاء على تلك الطائرات؟

وأيضًا تضم قاعدة إنجرليك الجوية 50 رأسًا نوويًا. هل من المعقول أن تكون هذه الترسانة على الأراضي التركية؟ ماذا لو تمكن الرئيس رجب طيب أردوغان من السيطرة عليها؟ لقد رأيناه بالفعل، في السنوات الأخيرة، يحد من وصول الجنود الأميركيين إلى القاعدة. من الذي يقول إنه قد لا يستخدم الترسانة كأداة للابتزاز؟

إن التأثير الرئيسي لهذه الكارثة على الشرق الأوسط هو أن وعود الولايات المتحدة – وربما الغرب ككل – لم تعد تساوي شيئًا في هذه المنطقة. يؤمن الشرق أوسطيون باحترام كلمة المرء، في البقاء مخلصًا لأصدقائه. فمن وجهة النظر هذه، انتهت اللعبة. وسوف يتطلب الأمر وقتًا طويلًا للغاية حتى تسترد أميركا مصداقيتها التي ضاعت. بالنسبة لأي حليف آخر للولايات المتحدة، لا بد أن هذا بات يشكل مصدر قلق كبير.

لأولئك الذين يقولون إننا يجب ألا ننخرط في صراعات لا تعنينا مباشرة، أود أن أقول: ما هو الحدث الذي “لا يعنيكم مباشرة”؟ المبدأ الأساسي في الجغرافيا السياسية هو أن كل شيء يهم الجميع. في عالم من المصاعب، بل حتى الأعمال العدائية، فإن أي تقوية لأولئك الذين لا يتمنون لنا الخير (الروس والصينيين والإيرانيين) تضعفنا.

لقد كان هذا صحيحًا منذ فجر الزمن. الاقتصاد مجال يربح فيه الجميع. هنالك أنظمة وسياقات تتيح للجميع الاستفادة من مجموعة معينة من الإجراءات، ولكن في الجغرافيا السياسية فإن نسبة القوة هي كل شيء. ما يفوز به شخص لا بد أن يكون خسارة للآخر.

هذا هو السبب في أن فكرة السماح لبوتين أو أردوغان أو بشار الأسد بالظهور كصانعي سلام أو منقذين للوضع ليست فكرة غير أخلاقية فحسب، بل إنها كارثية من الناحية الاستراتيجية.

وفي حالة الكرد يمكن للمرء القول إن هذا الأمر يهمنا مباشرة لسبب بسيط، حيث إن لديهم مفاتيح السجون التي يقبع فيها الجهاديون الذين أُسروا في الحرب ضد داعش. من في سوريا يحمل المفاتيح اليوم؟ الأخ أردوغان، هذا هو.

لنتذكر كيف – خلال معركة كوباني – سمح بشاحنات محملة بالأسلحة متجهة إلى داعش؟ وينطبق الشيء نفسه على الأسد، صاحب المفتاح الجديد رقم 2. لا تنسَ أن أحد أول الأعمال التي قام بها الأسد في بداية حربه ضد شعبه المدني هو فتح سجونه وإطلاق سراح الجهاديين الذين اضطر لمواجهتهم لاحقًا».